أسعد السحمراني

109

الأخلاق في الإسلام والفلسفة القديمة

إن الأساس في الأخلاق الدينية أن الدنيا هي ممرّ إلى الآخرة ، لذلك يكون الاهتمام باللذات الحسية أو المطالب والرغبات الجسدية بما يكفل بلغة العيش ، ويتوجّه الاهتمام الأكبر إلى تزكية النفس بالعمل الفاضل ، وبالمعرفة والحكمة ، وبالتزام القيم الأخلاقية الخيّرة البعيدة عن التعلّق بالشهوات . ومع أهمية توفير المطالب الضرورية لقوام حياة الإنسان إلّا أن الإسلام ذمّ الميل الكلّي والتعلق بالشهوة ، لأن العفّة والترفّع هما الأنفع للإنسان لكي ينال مرضاة ربّه ويحصل له الفوز بالجنّة التي أعدّت للمتقين . وعن هذا الأمر جاءت الآية الكريمة : زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ « 1 » . خضع الإنسان لامتحان قوي هو إيجاد شهوة فيه ، وشوقه لتوفير كل مطالب هذه الشهوة من طعام وشراب ونكاح وبنين وثروات متنوّعة ومقتنيات مختلفة ، وهنا وضع الإنسان أمام الخيار والإرادة ، فإما أن تجذبه هذه الشهوات فيغرق في مادّيّة جوفاء ، وإما أن يتصرّف بمنتهى العفّة مما يكسبه أخلاقا سامية توصله إلى نتيجة أهم هي مرضاة اللّه ، وحسن استقباله للإنسان في اليوم الآخر . لكن الأخلاق الإسلامية لا تفرض على الإنسان التقتير ، أو الكبت ، أو فرض نظام تجويع على نفسه ، أو التبتل ، فهذا ليس من أخلاق الإسلام الذي أمر بالوسطية في الأمر كلّه ، ودعا الإنسان لتحصيل الطيّب الحلال من زينة الحياة الدنيا . وقاعدة الوسطية جاءت تربط بين سمو الروح والفكر ومتطلبات البدن والحس وهذا المنهج في الاعتدال جاء في قول اللّه تعالى : وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ « 2 » .

--> ( 1 ) سورة آل عمران ، آية 14 . ( 2 ) سورة القصص ، آية 77 .